لماذا يروّج التجار على أن الكهرمان من الأحجار الكريمة النادرة، وأن ندرة الكهرمان هي السبب الرئيسي وراء أسعاره الفلكية التي قد تصل إلى مئات الآلاف من الدولارات لبعض القطع المميزة، فهل هذه الندرة حقيقية أم أنها مجرد خدعة تسويقية محكمة تهدف إلى التلاعب بالأسعار في سوق الكهرمان العالمي؟
نحاول في هذا المقال أن نكشف الستار عن الحقيقة الجيولوجية والاقتصادية وراء هذا الحجر الساحر، لنجيب بصدق عن السؤال المطروح في هذا الصدد: هل نحن ضحية خدعة تسويقية؟
خرافة ندرة الكهرمان: بين طول فترة التكوين ووفرة الاحتياطيات
تستغرق عملية تكوين الكهرمان وقتًا هائلًا يتراوح بين 30 إلى 50 مليون سنة في حالة كهرمان البلطيق على سبيل المثال، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن المادة النهائية المستخرجة نادرة، إن الخلط بين ندرة عملية التكوين وندرة المنتج النهائي هو أول ما ينبغي أن نلتفت إليه في بناء أسطورة ندرة الكهرمان.
وتشير البيانات الجيولوجية والاقتصادية إلى حقيقة صادمة: إن احتياطيات حجر الكهرمان في العالم ضخمة، خاصةً في منطقة بحر البلطيق، حيث مقاطعة كالينينغراد الروسية، العاصمة العالمية للكهرمان بلا منازع، فهي تحتضن ما يقدّر بـ 75% إلى 80% من الاحتياطي العالمي من كهرمان البلطيق.
يختلف هذا التوزيع الجغرافي عن الأحجار الكريمة الأخرى التي قد تتوزع على نطاق أوسع، مما يجع التحكم في العرض أمرًا سهلًا نسبيًّا، كما أن هناك أنواعًا أخرى من الكهرمان مثل: الكهرمان الدومنيكاني، والكهرمان المكسيكي، لكنها جميعًا لا تشكّل سوى نسبة ضئيلة جدًّا من الإنتاج العالمي مقارنةً بإنتاج البلطيق.
لقد وضعت الأرقام الرسميّة الصادرة عن مجمع كالينينغراد للكهرمان علامات استفهام كبيرة حول ادعاء ندرة حجر الكهرمان، خاصةً وأن السنوات الأخيرة، سجلت عمليات الاستخراج أرقامًا قياسية، حيث وصل الإنتاج السنوي إلى ما يقارب 627 طنًّا، مع توقعات بالوصول إلى 700 طن في مواسم أخرى.
و700 طن من مادة توصف بأنها نادرة، هو رقم هائل، والأكثر إثارةً للدهشة هو أن الاحتياطي المؤكد في هذه المنطقة وحدها يقدّر بـ 53 ألف طن، وهو ما يكفي للعمل لأكثر من مئة عام قادمة بمعدلات الاستخراج الحالية، وهذه الأرقام لا تتوافق أبدًا مع مفهوم الندرة بالمعنى الجيولوجي أو الكمي للمادة الخام.
على صعيد آخر، تعتمد عملية الاستخراج في كالينينغراد على تقنيات التعدين السطحي المفتوح، حيث يتم إزالة طبقات التربة للوصول إلى "التربة الزرقاء" الحاملة للكهرمان، وهذه العملية الصناعية الضخمة، التي تستخدم حفارات عملاقة، تؤكد أننا أمام عملية إنتاج صناعية واسعة النطاق، وليست عملية جمع عشوائية لمادة نادرة.
كيف تحوّل الكهرمان إلى سلعة للتلاعب بالسوق؟
نريد أن نفهم أيضًا آليات سوق الكهرمان، وهذا يتطلب منا أن نعود بالذاكرة إلى تاريخه الطويل عند منطقة جغرافية تدعى "طريق الكهرمان" الشهير الذي كان يربط بين مناطق استخراجهفي بحر البلطيق والإمبراطورية الرومانية، الأمر الذي يدل على أهميته الاقتصادية منذ آلاف السنين.
كما استخدم الكهرمان أيضًا في الحضارات القديمة لأغراض الزينة والطب الشعبي وكتعويذة للحماية، وهذه الأهمية التاريخية هي التي أضفت عليه قيمة عاطفية وثقافية يتم استغلالها اليوم في التلاعب بالأسعار.
وفي العصر الحديث، تحوّل حجر الكهرمان من مادة خام تستخدم في الصناعات الدقيقة إلى سلعة استهلاكية فاخرة، خاصةً على شكل سبح واكسسوارات، وهذا التحول هو ما عزز من رواية ندرة هذا الحجر العضوي، حيث أصبح التركيز على القطع المصقولة والمنحوتة بدلًا من المادة الخام، وأصبحت الرغبة في اقتناء قطعة تاريخية أو أثرية هي المحرك الرئيسي للطلب، وهذا ما يستغله التجار لرفع الأسعار.
والسؤال الذي ينبغي أن يطرح في هذا الصدد: إذا كان الإنتاج بهذه الضخامة، فلماذا تستمر الأسعار في الارتفاع؟ ولماذا يصور الكهرمان على أنه سلعة نادرة؟
تكمن الإجابة في آليات سوق الكهرمان المعقدة، التي تعتمد على التلاعب النفسي والتسويقي وتتركز في ثلاث محاور رئيسية:
- التجزئة المصنعة للندرة
تسوَّق ندرة الكهرمان بذكاء، رغم أنها تقتصر على أنواع وألوان محددة جدًّا أو قطع تحتوي على أحافير، وتستغلُّ هذه القصص النادرة لتضخيم قيمة الأنواع العادية، حيث يروّج التجار لفكرة "الاستثمار" لدفع المستهلكين لشراء قطع عادية بأسعار مبالغ فيها.
- التحكم في العرض وسلاسل الإمداد
يتم التلاعب بالأسعار في أسواق الكهرمان من خلال التحكم في سلاسل الإمداد، رغم ضخامة الإنتاج، بخلق عطش مصطنع عالميًّا، كما تساهم القيود السياسية على التصدير والتجارة غير المشروعة في تعقيد هذا السوق ورفع الأسعار بشكل مفتعل.
- ثقافة المقتنيات والوجاهة
أصبح اقتناء السبح المصنوعة من الكهرمان في العديد من الثقافات، خاصةً في منطقة الخليج العربي وشرق آسيا رمزًا للوجاهة والثراء، فالمستهلك لا يشتري حجر كهرمان فحسب، بل يشتري مكانةً اجتماعية مما يجعله أقل حساسيةً للسعر الحقيقي للمادة الخام.
كما أن القيمة العاطفية والتاريخية التي تمنَح للكهرمان بالإضافة إلى الاعتقادات الشعبية حول فوائده الصحية تساهم في خلق طلب غير مرن على السلعة، وهذا يتيح للتجار التلاعب بأسعارها دون خوف من انخفاض الطلب.
تأثير الندرة المصطنعة لحجر الكهرمان الأصلي
لقد أدى الارتفاع غير المبرر في الأسعار، تزامنًا مع رواية ندرة هذا الحجر العضوي الساحر إلى ازدهار سوق ما يعرف بالكهرمان المقلّد "الذي يصنع من بقايا الكهرمان الطبيعي" أو الكوبال "الراتنج الأقل عمرًا" أو حتى البلاستيك والراتنج الصناعي.
وأصبح المستهلكون يواجهون تحديًا كبيرًا في التمييز بين الكهرمان الأصلي والمواد المقلدة، وكلما زادت صعوبة التحقق من أصالة الحجر، زادت سهولة بيع الكهرمان المقلد بأسعار القطع النادرة.
ختامًا، أشرنا في هذا التقرير إلى أن ارتفاع قيمة الكهرمان في الأسواق العالمية لا يعكس ندرته المادية الحقيقية بقدر ما هو نتيجة لاستراتيجيات تسويقية مدروسة.
ففي حين أن الإنتاج السنوي من هذه المادة يصل إلى مئات الأطنان، لا سيما من مصادر رئيسية مثل كالينينغراد، تسود في السوق رواية مفادها أن الكهرمان مادة نادرة على نحوٍ مطلق، وهذا التناقض بين وفرة المادة الخام وارتفاع أسعارها هو جوهر الخدعة التسويقية المزعومة.
وبالتالي لا تنبع القيمة السوقية العالية من ندرة المادة الخام بشكل عام، بل من قوة السردية التسويقية والتحكم في العرض والإمداد، والعوامل السياسية كحظر التصدير أو بالنشاط غير المشروع، وكلها تضفي غموضًا على السوق وتصعب عملية التقييم العادل.
في ضوء ذلك، يوصي بضرورة زيادة وعي المستهلكين بحقيقة أن ندرة الكهرمان الحقيقية تقتصر على أنواع وجودات محددة جدًّا، كما يتم التأكيد على الدور الحاسم للجهات الرقابية والمختبرات الجيولوجية المتخصصة في فحص الأحجار، والكشف عن الغش، وضمان الشفافية، وذلك لحماية السوق من التلاعب المفرط وتمكين المشترين من اتخاذ قرارات مستنيرة تستند إلى الحقائق الجيولوجية والتجارية، وليس إلى الأساطير التسويقية.
والآن، يمكنك أن تكتشف روعة حجر الكهرمان الأصيل مع متجر الكهرمان الملكي، حيث تلتقي الفخامة بالأصالة في كل تفصيلة، اقتنِ قطعة تعبّر عن ذوقك الرفيع وتاريخ الطبيعة الساحر.
