الكهرمان والهوية الثقافية، هو مادة ذات قيمة تاريخية وثقافية واقتصادية في العديد من المجتمعات حول العالم، خاصةً في منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي.
يثير هذا الحجر الثمين سؤالًا جوهريًّا حول بعده الاجتماعي، هل يكون سببًا في تعزيز الفوارق الطبقية والمكانة الاجتماعية؟ أم أنه يساهم في توحيد الهوية الثقافية المشتركة؟
تتطلب الإجابة على هذا السؤال تحليلًا دقيقًا لجوانب القيمة المادية والرمزية لهذا الحجر عبر التاريخ، وفي السياقات الاجتماعية المعاصرة، فهيا بنا نبدأ.
الأصول التاريخية والقيمة المادية لحجر الكهرمان
تكون الكهرمان عبر رحلة زمنية طويلة امتدت لملايين السنين فمنحته ندرة وقيمة فريدة، وأصبح ينظر إليه ككبسولة زمنية تحفظ بداخلها بقايا من الحياة القديمة.
وعلى مر التاريخ كان هذا الحجر العضوي سلعة تجارية استراتيجية، حيث ربط طريق الكهرمان الشهير مناطق البلطيق، وهي المصدر الرئيسي له بمناطق البحر الأبيض المتوسط والشرق الأقصى.
هذه الرحلة الطويلة والمخاطر المرتبطة بنقل الكهرمان جعلت منه مادةً فريدةً ومكلفة للغاية، ورسّخت قيمته كرمز للثراء والسلطة والرفاهية منذ العصور القديمة، حيث كان الملوك والأباطرة يتنافسون على اقتناء أندر القطع منه.
أما في الثقافات الإسلامية فقد اتخذ الكهرمان بعدًا مختلفًا من خلال ارتباطه الوثيق بصناعة المسابح والحلى الفاخرة، في تشكيلات فنية مختلفة تعكس شخصية صاحبها ومكانته، وأصبحت جودة الكهرمان ونوعه مثل الكهرمان البلطيقي أو الكهرمان الحشري النادر الذي يحتوي على كائنات منقرضة، مؤشرًا مباشرًا على ثروة المقتني وذوقه الرفيع.
الكهرمان من منظور علم الاجتماع
يعمل الكهرمان بخصائصه الفريدة وسعره المرتفع كإشارة بصرية قوية تدل على الانتماء لطبقة اجتماعية معينة، فالشخص الذي يحمل سبحة من كهرمان أصلي يرسل رسالة صامتة حول قدرته المالية ومكانته الاجتماعية، الأمر الذي يعزز من فكرة أن الكهرمان كأحد الرموز الاجتماعية التي تساهم في رسم الحدود بين الطبقات.
ففي المجالس والديوانيات، غالبًا ما يكون نوع الكهرمان موضوعًا للنقاش والتقدير، حيث يتم تقييم القطع بناءً على قدمها، لونها، ورائحتها الصنوبرية المميزة عند الفرك، بل إن القدرة على تمييز الكهرمان الأصلي من التقليد أصبحت مهارةً اجتماعية يفتخر بها الكثيرون، مما يضيف طبقة أخرى من التمايز الثقافي والاجتماعي المرتبط بهذا الحجر.
هل الكهرمان يعزز الطبقية الاجتماعية
إن اقتناء قطعة كهرمان نادرة وعالية الجودة تتطلب قدرة شرائية لا تتوفر إلا للطبقات الميسورة، وبالتالي يصبح الكهرمان أداةً للتعبير عن الثراء والوجاهة، يظهر ذلك بشكل جلي في المزادات العالمية، حيث تتجاوز أسعار بعض القطع النادرة، خاصةً تلك التي تحتوي على حشرات كاملة أو نباتات متحجرة نادرة، مبالغ طائلة قد تصل إلى عشرات الآلاف من الدولارات.
وهذا التفاوت الهائل في الأسعار يخلق فجوة عميقة بين المقتني الهاوي أو الثري الذي يستطيع تحمل تكاليف هذه "التحف الجيولوجية"، والمواطن العادي الذي قد يضطر للاكتفاء بالكهرمان الصناعي أو الأنواع الأقل جودة التي تفتقر إلى الروح التاريخية للكهرمان الطبيعي الحر.
وبالتالي، يتحول الكهرمان من مجرد مادة خام طبيعية إلى مؤشر طبقي حاد، حيث يصبح ارتداؤه أو عرضه في المجالس بمثابة إعلان غير مباشر، ولكنه واضح، عن الوضع المالي والاجتماعي المرموق للفرد.
علاوة على ذلك، يمكننا أن نلاحظ ارتباط الكهرمان والطبقية في المناسبات الاجتماعية الكبرى والبروتوكولات الدبلوماسية، خاصةً عند تقديم هدايا من الكهرمان الأصيل، المصاغ يدويًّا بحرفية عالية، في المناسبات الرسمية أو كعربون تقدير بين الشخصيات الرفيعة، الأمر الذي يعكس مستوى العلاقة والمكانة المتبادلة بين الأطراف.
وهذا النوع من التبادل الرمزي يؤكد دور الكهرمان في ترسيخ التسلسل الهرمي الاجتماعي، حيث تصبح قيمة الهدية انعكاسًا لقيمة الشخص المهدى إليه، وهنا يتساءل البعض عما إذا كان هذا الحجر قد فقد معناه الروحي والتراثي ليصبح مجرد أداة أخرى في يد النخبة لإبراز تفوقها المادي.
وعلى مستوى السوق المحلي، تؤدي زيادة الطلب أيضًا من قبل الطبقات الثرية إلى رفع أسعار حجر الكهرمان بشكل جنوني، مما جعل الحصول على قطعة كهرمان طبيعي حلمًا بعيد المنال للشخص البسيط، وهذا يؤكد تحول الكهرمان من رمز للهوية المشتركة إلى رمز للانقسام الاقتصادي، حيث ترتبط جودة الحجر مباشرة بحجم المحفظة المالية، ومن ثم تعزيز الشعور بالطبقية داخل المجتمع الواحد.
الكهرمان والهوية الثقافية: دراسة في عناصر الوحدة والترابط
هناك رأي آخر يؤمن بقوة الكهرمان في توحيد الهوية الثقافية، على سبيل المثال في منطقة الخليج العربي، حيث يعتبر حجر الكهرمان جزءًا لا يتجزأ من الموروث الثقافي والاجتماعي، ومن ذلك استخدام السبح الكهرمانية كتقليد متجذر يربط الأجيال ببعضها البعض ويوحدها حول رمز بصري مشترك.
هنا يتجلى الكهرمان والهوية الثقافية بوضوح كونه رمزًا روحانيًّا يتجاوز الحدود المادية، حيث السبح الكهرمانية تستخدم في عبادة الذكر بغض النظر عن قيمتها، وهي عبادة يشترك فيها مختلف أطياف المجتمع من العامل البسيط إلى المسؤول الرفيع، وربما يعمل هذا الاستخدام الروحي كقوة موازنة تقلل من حدة الكهرمان والطبقية، وتعيد الاعتبار لقيمته المعنوية التي لا تقدر بثمن.
ومما يذيب الفجوة بين الكهرمان والطبقية ذلك الانتماء العميق لثقافة وتاريخ المنطقة، حيث تشهد المعارض والمهرجانات الدولية المتخصصة في الكهرمان إقبالًا جماهيريًّا واسعًا في دول مثل السعودية وقطر والكويت، وهي لا تهدف فقط إلى عقد الصفقات التجارية، بل تعمل كمنصات ثقافية للاحتفاء بهذا الموروث الأصيل.
تجمع هذه الفعاليات الهواة، الحرفيين، والمؤرخين من مختلف الخلفيات الاجتماعية والاقتصادية، مما يعزز الشعور بالهوية الجماعية والاعتزاز بالتراث، ويؤكد لنا أن الكهرمان والهوية الثقافية يمثلان في هذا السياق وجهين لعملة واحدة، حيث يساهم الحجر في بناء جسور التواصل الثقافي العابرة للحدود، ويرسخ مكانة المنطقة كمركز عالمي لتقدير هذا الفن الطبيعي.
يظهر أيضًا تأثير حجر الكهرمان في توحيد الهوية الثقافية في الموروث الشعبي والقصص المتوارثة والمعتقدات المرتبطة بخصائص الحجر.
لقد اعتقد الناس منذ القدم أن للكهرمان قدرات علاجية ونفسية، مثل قدرته على امتصاص الطاقة السلبية أو تخفيف التوتر، وهي معتقدات تنتقل من الأجداد إلى الأحفاد، موحدة إياهم حول فهم مشترك وتقدير خاص لهذا الحجر، وهذه الرمزية الشعبية تجعل حتى الأنواع البسيطة من الكهرمان تحمل نفس القيمة العاطفية والثقافية التي تحملها القطع النادرة، ويجعله عنصرًا موحدًا للهوية الوطنية والاجتماعية ولغة مشتركة يفهمها الجميع، تعبر عن الأصالة والارتباط بالأرض والتاريخ.
وهكذا، يتجلى لنا الثنائي الفريد لـ الكهرمان والهوية الثقافية: أداة للتمييز الطبقي من جهة، وجسر للتواصل والانتماء المشترك من جهة أخرى، وهذا الجدل نفسه هو ما يمنحه عمقه وقيمته الرمزية المستمرة، ليصبح مرآة تعكس تعقيد المجتمعات التي شكّل هو بدوره جزءًا من نسيجها الروحي والمادي.
هل ترغب في اكتشاف كيف يتحول هذا الإرث الثقافي العريق إلى قطع فنية معاصرة، ندعوك إذن لتجاوز صفحات التاريخ وملامسة هذا التراث بنفسك، من خلال زيارة متجر الكهرمان الملكي والاختيار من بين تشكيلة رائعة من قطع كهرمان أصلية تحولت فيها حكاية الأرض المتجمدة إلى إكسسوارات تعكس ذوقك الفريد.
