في ظل ما يعرف بقانون السيادة على الموارد، هل تملك الدولة الحق المطلق في الكهرمان المستخرج من أرضها، أم أن ما يحتويه من سجل طبيعي يعدُّ تراثًا إنسانيًّا عالميًّا؟
يحمل هذا السؤال تداعيات قانونية وعلمية وأخلاقية، لذا، نتناول في مقالنا هذا الجدل بين حق الدول في مواردها وبين الطبيعة العابرة للحدود للتراث العلمي عبر استعراض الأسس القانونية ودور الاتفاقيات الدولية وحالات دراسية واقعية من ميانمار والدومينيكان.
الأساس القانوني التقليدي لمفهوم السيادة على موارد الدولة
تتمثل أهمية حجر الكهرمان العلمية في كونه حزمةً زمنيةً تمنح علماء الحفريات فرصةً فريدةً لإعادة بناء النظم البيئية القديمة ودراسة تطور الكائنات، وبالتالي، تعد المعلومات التي يحفظها الكهرمان بين طياته ملك لتاريخ الكوكب بأسره وليست مجرد ملكية محلية، الأمر الذي يجعل الحفاظ عليه ضرورة علمية.
ومنذ نشأة الدولة الحديثة، كان المبدأ الأساسي في القانون الدولي هو حق الدولة في السيادة على مواردها الطبيعية الموجودة في أراضيها، وقد تأكد هذا المبدأ بشكل قاطع في قرارات الأمم المتحدة "القرار 1803 الصادر عام 1962" والذي ينص على حق الدول في التصرف بثرواتها الطبيعية وفقًا لمصالحها الوطنية.
وبناءً على هذا المبدأ، يعتبر حجر الكهرمان المستخرج من مناجم في جمهورية الدومينيكان، أو ميانمار، أو روسيا، أو لبنان، ملكًا مطلقًا للدولة التي يقع فيها المنجم، وبالتالي يحق لها تنظيم الاستخراج من خلال منح تراخيص للشركات المحلية أو الأجنبية، وجني عوائد مالية من هذا المورد، وتحديد سياسات التصدير على سبيل المثال: منع تصدير العينات النادرة، أو السماح به بشروط، واعتبار الكهرمان جزءًا من تراثها الثقافي الوطني.
وقد وجدت الدول في هذا المبدأ حماية لمصالحها الاقتصادية والأمنية، حيث يختار بعضها بيع القطع النادرة من الكهرمان بملايين الدولارات في مزادات عالمية، ويختار البعض الآخر عدم تصدير قطع الكهرمان باعتبارها أصلًا من أصولها الوطنية وجزءًا من الهوية الثقافية.
وربما نعتبر أن هذا التشبث بمبدأ السيادة على الموارد هو خط دفاعي ضد أي محاولة لوصف الكهرمان بأنه ملكية عابرة للحدود وتراث إنساني عالمي يفرض قيودًا على حق الدولة في التصرف.
اتفاقيات دولية تحاول ضبط الإطار
على الرغم من قوة مبدأ السيادة على الموارد، إلا أن المجتمع الدولي قد أدرك أن بعض الموارد، خاصةً ذات القيمة العلمية أو الثقافية الفائقة لا يمكن تركها بالكامل لتقدير الدول وحدها، لذا، ظهرت اتفاقيات دولية تسعى إلى التوفيق بين السيادة الوطنية وحماية المصالح المشتركة، أبرزها:
اتفاقية اليونسكو لعام 1970
تلزم هذه الاتفاقية الدول الأعضاء بمكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية وتشجع على إعادة الممتلكات المسروقة إلى بلدانها الأصلية، والسؤال هنا: هل يمكن اعتبار الكهرمان الذي يحتوي على أحافير "ملكية ثقافية"؟
هناك بعض الدول تدرجه ضمن قوائم التراث الطبيعي والثقافي المحمي، وبالتالي يعد تصديره دون ترخيص انتهاكا للاتفاقية، ومع ذلك تركز هذه الاتفاقية بشكل أساسي على الملكية المادية والثقافية وليس على القيمة العلمية العالمية.
اتفاقية CITES
وهي اتفاقية التجارة الدولية في الأنواع الحية المهددة بالانقراض، ويظهر جليًّا منها أنها تحد من السيادة على الموارد لحماية مصلحة عالمية.
جدير بالذكر أن بعض أنواع الكهرمان خاصةً البلطيقي، قد يضر استخراجه وتجارته بالنظم البيئية، ولكن التأثير الأكبر يأتي من القيود التي تفرضها بعض الدول على تصدير الأحافير بشكل عام باعتبارها جزءًا من تراثها الجيولوجي.
وحتى الآن، لا توجد اتفاقيات دولية ملزمة خاصة بالأحافير والكهرمان، على الرغم من محاولة بعض المنظمات مثل الاتحاد الدولي للعلوم الجيولوجية IUGS وضع مبادئ توجيهية أخلاقية، ولكنها تفتقر إلى آليات التنفيذ، وبالتالي تصبح الفجوة القانونية الحالية أرضًا خصبة للنزاعات والتجارة غير المنظمة.
تجارة الكهرمان من المنظور الأخلاقي: ملكية عابرة للحدود أم حق مطلق؟
بعيدًا عن النصوص القانونية، نحن بصدد سؤال آخر من منظور أخلاقي: هل تجارة الكهرمان ملكية عابرة للحدود أم حق مطلق؟ لا ينكر المؤيدون حق الدولة في السيادة على مواردها، ولكنهم يرون أن هذا الحق ليس مطلقًا عندما يتعلق بمورد ذو أهمية علمية استثنائية وحجتهم في ذلك: أن العلم ملك للجميع، فلا يصح حرمان الباحثين من دراسة عينات فريدة بحجة السيادة الوطنية، كما أن التجارة الحرة تؤدي إلى تركيز القطع النادرة في متاحف بعينها وهواة الجمع الأغنياء، وحرمان الدول المصدرة من تراثها الطبيعي، إضافةً إلى أن بيع الكهرمان في الأسواق يتسبب بفقدان المعلومات السياقية الحيوية كالموقع والطبقة الجيولوجية، مما يفقده قيمته العلمية.
وفي المقابل، يدافع المؤيدون للحق المطلق للدولة بأن السيادة على مواردها تمنحها ملكية شرعية لثرواتها الطبيعية، فلا يجوز استخدام شعار "التراث العالمي" لنزع ملكية الدول الفقيرة لصالح الغني، كما يرون في هذه الدعوات استعمارًا علميًّا جديدًا يعيد سيناريو نهب الثروات الذي عانوا منه تاريخيًّا. ويؤكدون امتلاك الدول للأدوات الكافية لتنظيم التجارة داخليًّا، عبر إنشاء متاحف وطنية، وإصدار تراخيص تصدير للعينات المكررة، مع الاحتفاظ بالنادر للدراسة المحلية.
دراسة حالات من الواقع
١. كهرمان ميانمار
ربما يكون هذا هو المثال الأكثر إثارةً للجدل في العالم، حيث استخرج كهرمان ميانمار من منطقة نزاع مسلح وأطلق عليه "كهرمان الدم" لتمويله الصراع، ورغم حق الحكومة الميانمارية السيادي في بيعه بالمزادات، إلا أن العينات النادرة منه تدفقت للأسواق، مما وضع علماء الحفريات في مأزق أخلاقي، وامتنع بعضهم عن دراسة العينات المستخرجة بعد 2017 إلا بتراخيص موثقة، متجاوزة بذلك مفهوم السيادة الوطنية لحماية التراث الطبيعي.
٢.الكهرمان الدومنيكاني
تمارس الدولة السيادة على مواردها بصرامة عبر تشريعات تحكم استخراج الكهرمان وتصديره، باعتباره كنزًا وطنيًّا، ورغم أن هذه السياسة تتعارض مع المجتمع العلمي الدولي بسبب صعوبة الحصول على عينات جديدة، إلا أن الدولة أنشأت متحف الكهرمان، لإتاحة الدراسة محليًّا مع استمرار قيود الإزالة الدائمة، ويعكس هذا النموذج سيادةً وطنيةً قويةً لا تمنع العلم، بل تحدد شروطه.
٣. الكهرمان البلطيقي
يستخرج هذا النوع من الكهرمان بكميات كبيرة من دول مثل منطقة كالينينغراد في روسيا، وبولندا، وليتوانيا، ويطرح هذا الانتشار التجاري الواسع تحديًا في التمييز بين العينات التجارية العادية وأخرى ذات قيمة علمية فريدة، الأمر الذي يعيق تطبيق اتفاقيات دولية موحدة لتصنيفه كتراث عالمي.
هل يمكن تحقيق توازن بين السيادة على موارد الدولة والعلم؟
لا يمكن تجاهل مبدأ السيادة على موارد الدولة في القانون الدولي، فالدول لديها حقوق مشروعة في استغلال ثرواتها الطبيعية وحماية مصالحها الوطنية.
وفي المقابل، لا يمكن إنكار أن حجر الكهرمان الذي يحتوي على أحافير فريدة يحمل قيمة علمية تفوق الحدود السياسية، وأن فقدان السياق العلمي للقطعة أو حبسها في مجموعات خاصة أو استخدامها لتمويل النزاعات لا يصب في مصلحة أحد سواء الدولة المصدرة أو الإنسانية جمعاء، والإصرار على الحق المطلق للدولة دون اعتبار للقيمة العالمية للقطعة هو بمثابة السماح بتدمير جزء لا يعوض من تاريخ الكوكب.
وبينما يثار الجدل حول السيادة على الموارد، يقدم متجر الكهرمان الملكي نموذجًا مسؤولًا متمثلا في منتجات قيّمة مصنوعة من قطع كهرمان فريدة من التراث الطبيعي، ندعوك الآن لزيارة متجرنا وامتلاك جزء من عمر الأرض.